SAWABY
10 - 11 - 2007, 12:53 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أتيت لكم اليوم بموضوع جديد وله نصيب في كل منا إلا من رحم ربي
فنسأل الله تعالى الاستقامة على الطريق المستقيم حتى الممات
اللهم آميم آمين آمين
رسالة إلى منتكس 1-2
كان الفتى يعيشُ في جنةِ الاستقامةِ، يتفيؤُ ظلالَ الإيمان، ويشربُ من رحيقِ القرآن، كان يأوي إلى حملةِ المسكِ من الجُلساءِ الصالحين، ينهلُ من خيرِهم ويطربُ لمجالسهم.
كان الفتى يشعرُ بانشراحِ الصدرِ، وراحةَ البالِ، لأنَّ من اتبع هُدى اللهِ فلا يضلُّ ولا يشقى.
كان الفتى ممن يعمرُ المساجد، ويرتادُ الحلقات، ويسابقُ إلى الخيرات.
كان الفتى تجللهُ الهيبةُ والوقار، فهيئتُهُ تسُرُّ الأنظار، ووجههُ تزينهِ شعراتٌ من لحيهِ تزيدهُ نوراً وجلالاً.
كان الفتى يتَّقِدُ نشاطاً وحماساً، ويمضي وقتهُ دعوةً وجهاداً، وفي فترةٍ من الفتراتِ تغيرَ الحالُ، ولم يعد ينسج على نفس المنوال، لقد تركَ الفتى حياةَ الكمال ليعيش في سفال، وهجرَ النورُ والهدى ليؤثرَ الظلماتِ والردى .
لقد بدأت معالمُ التغيرِ حينما هجرَ الفتى مجالسُ الأخيارِ، وأكثرَ من الاعتذار، مختلقاً الواهي من الأعذار، افتقدهُ إخوانُهُ، وابتعد عنهُ أقرانهُ ثم تغير الظاهر، لم يعد يهتم بالمخابر والمظاهر.
زالَ من الوجهِ ضياؤه، وانطفأ منه نوره وسناؤه، فخُففتِ الشعراتُ المهيبة، وبدأ الاهتمامُ المفرط بالمظهر، والثوبُ طال، وتغيرِ الظاهرِ نذيرٌ بخرابِ الباطن، فقسا القلبُ، وهجرَ كتابَ الله، والصلواتُ بدأت تفوتُ وتُقضى، واستحلَّ ما كان حراماً من نظرٍ للقنوات، واستماعٍ للمُحرمات، وسهرٍ في الاستراحاتِ، لقد استبدلَ الفتى حياةَ الذلِّ بالعز، وتركَ حياةَ النعيمِ والاستقرارِ مع الصالحينَ والأخيار، ليقترنَ بالعارِ مع الطالحينَ والأشرار.
إنَّها الضلالةُ بعد الهدى، والحورُ بعد الكور، إنَّها الانتكاسةُ والسقوطُ على الطريق.
إنَّها ظاهرةٌ تبعثُ على القلقِ، وتدعو المسلمُ الجاد أن لا يقفَ موقفَ الحيادِ تجاهها، فخسارةُ فردٍ من أبناءِ الأمةِ بعد أن هداهُ اللهُ وأنقذهُ لا يمكنُ أن يرضى به مسلم .
إنَّها ظاهرةٌ مؤلمةٌ لأنَّها تمثلُ تآكلاً من الداخل، وفي وقتٍ ومرحلةٍ الأمةُ فيها أحوجَ ما تكونُ إلى تنامي هذا التيارِ المبارك.
إنَّها تمثلُ إهداراً لجهودٍ خيِّرةٍ من الشبابِ والدعاةِ في الدعوةِ والتربية، إنَّ الانتكاسَ عن الهدى جُرمٌ عظيم، لأنَّ المنتكسَ بفعلهِ هذا يشوِّهُ الحقَّ الذي تنكرَ له، ويشككُ بالدعوةِ التي نكصَ منها، كما أنَّهُ يشمتُ الأعداءَ، ويغري الأشقياءَ، ويضعفُ القولَ ويخلخلُ الصف .
لقد شنَّع كتابُ اللهِ على المتساقطينَ الزائغين بعد الهداية، فأعلنَ خسارتهم، ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)) (الحج : 11) .
وبيّنَ أنَّ ذلك من تزيينِ الشيطانِ، (( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ )) (محمد: 25).
ودعا عليهم رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- حينما قال: (( أنا فَرطُكم على الحوض من وَردَه شرِبَ منه ومن شرِبَ منه لم يظمأ بعدَه أبداً، لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفُهم ويَعرفوني، ثم يُحالُ بيني وبينهم فأقول إنهم مني؛ فيقال: إنكَ لا تدري ما بَدَّلوا بعدَكَ، فأقول: سُحقاً سحقاً لمن بدَّل بعدي)) [1]
فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهمَّ إنَّا نعوذُ بك أن نرجعَ على أعقابنا أو أن نُفتنَ عن ديننا. [2]
إنَّ المنتكسَ يعارضُ بفعلهِ قولَ الله: ((مَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)) [طه : 123] .
ويدعو بسلوكهِ وانتكاسهِ إلى حياةٍ الضلالِ والشقاء.
إنَّ الانتكاسَ قدحَ في الشريعةِ ونورها وضيائها، وتشكيكٌ في الاستقامةِ وآثارها.
إننا بحاجةٍ إلى مثلِ هذا الحديثِ، لأنَّ من شبابنا الصالحينَ من يشعرُ إنَّه اجتاز القنطرةَ، ووصل إلى برِ الأمانِ، فأمنَ من الضلالةِ ومن الحورِ بعد الكور، وهي أولُ أمارةٍ على ضعفِ الإيمانِ والغرورِ والعجب.
هذا إمام الموحدين وقدوة الناس إلى يوم الدين، من أمرنا الله باتباع ملته، والسير على طريقته وسنته بقوله: (( فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (آل عمران: 95) .
من رمي في النار فصبر، وأضجع ابنه إسماعيل للذبح انقياداً لأمر الله، واتخذه الله خليلا، رغم ذلك يقول: ((وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ)) (إبراهيم: 35) .
إما الموحدين يسأل الله أن يجنبه عبادة الأصنام، فمن يأمن بعد ذلك.
ويوسفُ-عليه السلام- وهو القدوةُ في العفةِ والنزاهةِ والتسامي، يستعينُ بربهِ ليحميهِ من مواقعةِ الفاحشةِ، متبرئاً من كلِّ حولٍ وقوة، ((وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ )) (يوسف: 33).
وإنَّ القلوبَ بيدِ الله سُبحانهُ وتعالى، ففي الحديثِ: (( ما من قلبٍ إلاَّ بين أصبعينِ من أصابعِ ربِّ العالمين، إن شاءَ أن يقيمهُ أقامه، وإن شاءَ أن يزيغهُ أزاغه)) .
وكان رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- سيد ولد آدم يدعو ربَّهُ قائلاً: (( يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك)) [3]
لقد أخبرَ سُبحانهُ أن نبيَّهُ- صلى الله عليه وسلم- يحتاجُ إلى توفيقهِ وتثبيته، ((وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً)) (الإسراء: 74) .
وفي آيةٍ أُخرى: (( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً )) (النساء: 113) .
إنَّ المنتكسَ إنَّما يجني على نفسه، وما ربُّكَ بظلامٍ للعبيد، ((وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) (التوبة: 115).
وزيغَ الإنسانِ سببٌ لأن يزيغ اللهُ قلبه، (( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)) (الصف: 5) .
وانصرافهِ عن الهُدى سببٌ لصرفِ قلبهِ، (( ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون )) (التوبة: 127).
والمتكبرون عن آياتِ اللهِ، والمعرضُون عن الحقِّ بعد أنَّ رأوهُ واضحاً، يصرفهم اللهُ عن الانتفاعِ بها، (( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ )) (الأعراف: 146).
والقلبُ إنَّما يطبـعُ اللهُ عليه لتراكمِ الذنوبِ على صاحبه، ((كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ )) (المطففين: 14).
وإتباع الهوى، والإخلادُ إلى الأرضِ سببٌ لحرمانِ العبدِ طريقَ الفلاح، ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ )) (الأعراف: 175)
إن الانتكاسة طريقٌ شائك يسلُكُهُ الإنسانُ بنفسهِ وإرادتهِ، لأنَّ اللهَ لا يظلمُ أحداً، وقد هدانا النجدين، وألهمَ نفُوسنا فجُورَها وتقواها، الانتكاسُ طريقٌ مُظلم، يسلُكُهُ الإنسانُ حينما يضعفُ إيمانهُ، فالإيمانُ حصنٌ عن كلِّ شهوةٍ وشبهة، وإذا خالطت بشاشتهُ القلوبَ، ولّد أمةً ثابتةً لا تهزُّها الخطوب، ولا تُزلزِلها الشهواتُ والشبهات، ومتى ذاقَ العبدُ حلاوةَ الإيمانِ ثبتت قدمهُ في روضةِ الاستقامة .
قد يتوبُ شابٌ إلى اللهِ، ويسلكُ طريقَ الاستقامةِ والخير، لكنَّه لم يتب توبة صادقة، فتعترضُهُ شهوةٌ أو شُبهةٌ، فيهوي أمامها، وينكِصُ على عقبيه، نسألُ اللهَ العافية.
وحين نتأملُ في واقعنا نجدُ صوراً عدة، تعكسُ وجودَ هذا الداءَ في أنفسنا، ومنها قسوةَ القلبِ، والبعدَ عن الله، والجرأةَ على معاصيه، والتكاسلُ عن طاعتهِ وغيرها كثير، ومما قد نبتلى به أن لا نُدرِكَ ذلك في أنفسنا.
[1]رواه البخاري حديث 6898
[2]رواه البخاري حديث 6446
[3]رواه أحمد في مسنده حديث
أتيت لكم اليوم بموضوع جديد وله نصيب في كل منا إلا من رحم ربي
فنسأل الله تعالى الاستقامة على الطريق المستقيم حتى الممات
اللهم آميم آمين آمين
رسالة إلى منتكس 1-2
كان الفتى يعيشُ في جنةِ الاستقامةِ، يتفيؤُ ظلالَ الإيمان، ويشربُ من رحيقِ القرآن، كان يأوي إلى حملةِ المسكِ من الجُلساءِ الصالحين، ينهلُ من خيرِهم ويطربُ لمجالسهم.
كان الفتى يشعرُ بانشراحِ الصدرِ، وراحةَ البالِ، لأنَّ من اتبع هُدى اللهِ فلا يضلُّ ولا يشقى.
كان الفتى ممن يعمرُ المساجد، ويرتادُ الحلقات، ويسابقُ إلى الخيرات.
كان الفتى تجللهُ الهيبةُ والوقار، فهيئتُهُ تسُرُّ الأنظار، ووجههُ تزينهِ شعراتٌ من لحيهِ تزيدهُ نوراً وجلالاً.
كان الفتى يتَّقِدُ نشاطاً وحماساً، ويمضي وقتهُ دعوةً وجهاداً، وفي فترةٍ من الفتراتِ تغيرَ الحالُ، ولم يعد ينسج على نفس المنوال، لقد تركَ الفتى حياةَ الكمال ليعيش في سفال، وهجرَ النورُ والهدى ليؤثرَ الظلماتِ والردى .
لقد بدأت معالمُ التغيرِ حينما هجرَ الفتى مجالسُ الأخيارِ، وأكثرَ من الاعتذار، مختلقاً الواهي من الأعذار، افتقدهُ إخوانُهُ، وابتعد عنهُ أقرانهُ ثم تغير الظاهر، لم يعد يهتم بالمخابر والمظاهر.
زالَ من الوجهِ ضياؤه، وانطفأ منه نوره وسناؤه، فخُففتِ الشعراتُ المهيبة، وبدأ الاهتمامُ المفرط بالمظهر، والثوبُ طال، وتغيرِ الظاهرِ نذيرٌ بخرابِ الباطن، فقسا القلبُ، وهجرَ كتابَ الله، والصلواتُ بدأت تفوتُ وتُقضى، واستحلَّ ما كان حراماً من نظرٍ للقنوات، واستماعٍ للمُحرمات، وسهرٍ في الاستراحاتِ، لقد استبدلَ الفتى حياةَ الذلِّ بالعز، وتركَ حياةَ النعيمِ والاستقرارِ مع الصالحينَ والأخيار، ليقترنَ بالعارِ مع الطالحينَ والأشرار.
إنَّها الضلالةُ بعد الهدى، والحورُ بعد الكور، إنَّها الانتكاسةُ والسقوطُ على الطريق.
إنَّها ظاهرةٌ تبعثُ على القلقِ، وتدعو المسلمُ الجاد أن لا يقفَ موقفَ الحيادِ تجاهها، فخسارةُ فردٍ من أبناءِ الأمةِ بعد أن هداهُ اللهُ وأنقذهُ لا يمكنُ أن يرضى به مسلم .
إنَّها ظاهرةٌ مؤلمةٌ لأنَّها تمثلُ تآكلاً من الداخل، وفي وقتٍ ومرحلةٍ الأمةُ فيها أحوجَ ما تكونُ إلى تنامي هذا التيارِ المبارك.
إنَّها تمثلُ إهداراً لجهودٍ خيِّرةٍ من الشبابِ والدعاةِ في الدعوةِ والتربية، إنَّ الانتكاسَ عن الهدى جُرمٌ عظيم، لأنَّ المنتكسَ بفعلهِ هذا يشوِّهُ الحقَّ الذي تنكرَ له، ويشككُ بالدعوةِ التي نكصَ منها، كما أنَّهُ يشمتُ الأعداءَ، ويغري الأشقياءَ، ويضعفُ القولَ ويخلخلُ الصف .
لقد شنَّع كتابُ اللهِ على المتساقطينَ الزائغين بعد الهداية، فأعلنَ خسارتهم، ((وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ)) (الحج : 11) .
وبيّنَ أنَّ ذلك من تزيينِ الشيطانِ، (( إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ )) (محمد: 25).
ودعا عليهم رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- حينما قال: (( أنا فَرطُكم على الحوض من وَردَه شرِبَ منه ومن شرِبَ منه لم يظمأ بعدَه أبداً، لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفُهم ويَعرفوني، ثم يُحالُ بيني وبينهم فأقول إنهم مني؛ فيقال: إنكَ لا تدري ما بَدَّلوا بعدَكَ، فأقول: سُحقاً سحقاً لمن بدَّل بعدي)) [1]
فكان ابن أبي مليكة يقول: اللهمَّ إنَّا نعوذُ بك أن نرجعَ على أعقابنا أو أن نُفتنَ عن ديننا. [2]
إنَّ المنتكسَ يعارضُ بفعلهِ قولَ الله: ((مَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)) [طه : 123] .
ويدعو بسلوكهِ وانتكاسهِ إلى حياةٍ الضلالِ والشقاء.
إنَّ الانتكاسَ قدحَ في الشريعةِ ونورها وضيائها، وتشكيكٌ في الاستقامةِ وآثارها.
إننا بحاجةٍ إلى مثلِ هذا الحديثِ، لأنَّ من شبابنا الصالحينَ من يشعرُ إنَّه اجتاز القنطرةَ، ووصل إلى برِ الأمانِ، فأمنَ من الضلالةِ ومن الحورِ بعد الكور، وهي أولُ أمارةٍ على ضعفِ الإيمانِ والغرورِ والعجب.
هذا إمام الموحدين وقدوة الناس إلى يوم الدين، من أمرنا الله باتباع ملته، والسير على طريقته وسنته بقوله: (( فَاتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) (آل عمران: 95) .
من رمي في النار فصبر، وأضجع ابنه إسماعيل للذبح انقياداً لأمر الله، واتخذه الله خليلا، رغم ذلك يقول: ((وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ)) (إبراهيم: 35) .
إما الموحدين يسأل الله أن يجنبه عبادة الأصنام، فمن يأمن بعد ذلك.
ويوسفُ-عليه السلام- وهو القدوةُ في العفةِ والنزاهةِ والتسامي، يستعينُ بربهِ ليحميهِ من مواقعةِ الفاحشةِ، متبرئاً من كلِّ حولٍ وقوة، ((وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ )) (يوسف: 33).
وإنَّ القلوبَ بيدِ الله سُبحانهُ وتعالى، ففي الحديثِ: (( ما من قلبٍ إلاَّ بين أصبعينِ من أصابعِ ربِّ العالمين، إن شاءَ أن يقيمهُ أقامه، وإن شاءَ أن يزيغهُ أزاغه)) .
وكان رسولُ اللهِ- صلى الله عليه وسلم- سيد ولد آدم يدعو ربَّهُ قائلاً: (( يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك)) [3]
لقد أخبرَ سُبحانهُ أن نبيَّهُ- صلى الله عليه وسلم- يحتاجُ إلى توفيقهِ وتثبيته، ((وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً)) (الإسراء: 74) .
وفي آيةٍ أُخرى: (( وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً )) (النساء: 113) .
إنَّ المنتكسَ إنَّما يجني على نفسه، وما ربُّكَ بظلامٍ للعبيد، ((وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) (التوبة: 115).
وزيغَ الإنسانِ سببٌ لأن يزيغ اللهُ قلبه، (( فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ)) (الصف: 5) .
وانصرافهِ عن الهُدى سببٌ لصرفِ قلبهِ، (( ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون )) (التوبة: 127).
والمتكبرون عن آياتِ اللهِ، والمعرضُون عن الحقِّ بعد أنَّ رأوهُ واضحاً، يصرفهم اللهُ عن الانتفاعِ بها، (( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ )) (الأعراف: 146).
والقلبُ إنَّما يطبـعُ اللهُ عليه لتراكمِ الذنوبِ على صاحبه، ((كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ )) (المطففين: 14).
وإتباع الهوى، والإخلادُ إلى الأرضِ سببٌ لحرمانِ العبدِ طريقَ الفلاح، ((وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ )) (الأعراف: 175)
إن الانتكاسة طريقٌ شائك يسلُكُهُ الإنسانُ بنفسهِ وإرادتهِ، لأنَّ اللهَ لا يظلمُ أحداً، وقد هدانا النجدين، وألهمَ نفُوسنا فجُورَها وتقواها، الانتكاسُ طريقٌ مُظلم، يسلُكُهُ الإنسانُ حينما يضعفُ إيمانهُ، فالإيمانُ حصنٌ عن كلِّ شهوةٍ وشبهة، وإذا خالطت بشاشتهُ القلوبَ، ولّد أمةً ثابتةً لا تهزُّها الخطوب، ولا تُزلزِلها الشهواتُ والشبهات، ومتى ذاقَ العبدُ حلاوةَ الإيمانِ ثبتت قدمهُ في روضةِ الاستقامة .
قد يتوبُ شابٌ إلى اللهِ، ويسلكُ طريقَ الاستقامةِ والخير، لكنَّه لم يتب توبة صادقة، فتعترضُهُ شهوةٌ أو شُبهةٌ، فيهوي أمامها، وينكِصُ على عقبيه، نسألُ اللهَ العافية.
وحين نتأملُ في واقعنا نجدُ صوراً عدة، تعكسُ وجودَ هذا الداءَ في أنفسنا، ومنها قسوةَ القلبِ، والبعدَ عن الله، والجرأةَ على معاصيه، والتكاسلُ عن طاعتهِ وغيرها كثير، ومما قد نبتلى به أن لا نُدرِكَ ذلك في أنفسنا.
[1]رواه البخاري حديث 6898
[2]رواه البخاري حديث 6446
[3]رواه أحمد في مسنده حديث