أبو عاصم البركاتي
22 - 08 - 2009, 04:52 PM
النسخ دراسة أصولية.تأليف / أبي عاصم البركاتي.الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه وبعد : فإن النسخ من المباحث المهمة في الفقه والأصول ، التي لا يستغني دارس الفقه عنها، وذلك لمعرفة ما استقر عليه الحكم وثبت في آخر التشريع ، فتزول بذلك إشكالات كثيرة، وفي هذا البحث حاولت تقريب مسألة الناسخ والمنسوخ ، عسى الله أن ينفع به ، فأحصل من وراء ذلك أجراً، والله وحده من وراء القصد ، والحمد لله رب العالمين. وأقول مستعيناً بالله تعالى:النسخ لغة : الإزالة ، ومنه قوله تعالى : ﴿ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ (الحج :52) .وهو أيضاً : النقل . يقال : نسخت الكتاب نسخاً أي نقلته . ومنه قوله تعالى : ﴿ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (الجاثية :29) . واصطلاحاً : بيان الشارع انتهاء زمن العمل بحكم شرعي ظاهره الدوام ، وذلك بدليل شرعي متأخر عنه نزولاً .[ الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم (4/438)، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار ص 9] وقيل : رفع الحكم الشرعة بدليل شرعي متأخر. [شرح الكوكب المنير ص 462]فوائد : (1) النسخ لا يكون إلا في حياة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فبعد موته لا نسخ . (2) النسخ يكون في الأحكام الشرعية ، بمعنى : أن الأخبار لا يلحقها نسخ ، لأن نسخ شيء منها يستلزم كذب المخبر في الخبر المنسوخ ، أو الخبر الناسخ ، وهذا محال على الله سبحانه . بعض الأساليب الخبرية التي تفيد الطلب ( أي التي يفيد مدلولها حكم شرعي ) قد تنسخ ، أي : ينسخ الحكم الشرعي . مثل قوله تعالى : ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ (الأنفال :65) . منسوخ بقوله تعالى : ﴿ الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ (الأنفال :66) . فنسخ وجوب مصابرة الواحد للعشرة من الكافرين ، بوجوب مصابرة الواحد للاثنين . (3) الزيادة على النص ليست نسخاً ، إنما تكون للتأكيد ، ونحوه . طرق معرفة الناسخ والمنسوخ : (1) التصريح في الآية أو الحديث : -مثل قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ﴾ (المجادلة :12) منسوخ بقوله : ﴿ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ﴾ (المجادلة :13) . وكقوله تعالى : ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ ﴾ (البقرة :187) ناسخ لحرمة مباشرة الزوجة في الليل بعد النوم . وكقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا » . وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الِاسْتِمْتَاعِ مِنْ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ » أخرجه مسلم (1406) والدارمي(2195) عن الربيع بن سبرة عن أبيه.(2) تصريح الصحابي بالنسخ : -كقول أبى بن كعب رضي الله عنه: «أَنَّ الْفُتْيَا الَّتِي كَانُوا يَفْتُونَ أَنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ كَانَتْ رُخْصَةً رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ فِي بَدْءِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ أَمَرَ بِالِاغْتِسَالِ بَعْدُ» أخرجه بهذا اللفظ أبو داود(214)(215) والدارمي (760) وابن ماجة (609) وصححه الألباني في صحيح أبي داود ( 207 - 208 ). وقول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما : « كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا غَيَّرَتْ النَّارُ »أخرجه أبو داود (192) والنسائي (188) وهو في البخاري (5036) بمعناه . (3) إجماع الأمة على نسخ الحكم : - مثال ذلك : نسخ وجوب صوم يوم عاشوراء بإيجاب صوم رمضان . (4) تعارض حكمين في نصين معلوم يقيناً أن أحدهما متأخر ، فالمتأخر يكون ناسخاً للمتقدم . ومثاله : نسخ القرآن لعادة التبني ، وإبطالها وتحريمها في قوله : ﴿ ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ ﴾(الأحزاب :5) .ونسخ جواز الكلام في الصلاة بقوله تعالى : ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ (البقرة :238) .شروط النسخ : (1) ألا يكون المنسوخ حكماً مؤبداً . مثل قوله تعالى : ﴿ وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ﴾ (النور :4) .وحديث : « والجهاد ماض إلى يوم القيامة ». (2) أن يكون المنسوخ حكماً شرعياً . أن يكون المنسوخ من الأحكام التي يجوز نسخها ، لأن النسخ لا يدخل في أصول الإسلام ، كإيجاب الإيمان بالله ، وبملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وكذا الصوم ، والصلاة ، والزكاة ، والحج ، ونحوه . (3) تأخر الحكم الناسخ عن الحكم المنسوخ ، لأن المقترن به لا يسمى نسخاً ، إنما يكون تخصيصاً ، أو تقييداً ، فإن تعذر معرفة التاريخ ( المتقدم والمتأخر ) نتوقف في القول بالنسخ ، ورجعنا إلى الترجيحات الأخرى . (4) أن يكون الحكم الناسخ مثل الحكم المنسوخ في القوة ، أو أقوى منه ، فلا ينسخ الضعيف الصحيح ، وكذا لا ينسخ قرآن بسنة على الصحيح . ما يكون به النسخ : (1) نسخ القرآن بالقرآن : وقد تقدم ذكر أمثلة على ذلك ، قال تعالى : ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ (البقرة :106) . (2) النسخ السنة بالقرآن : مثل نسخ رد المسلمات إلى الكفار بناء على صلح الحديبية، بقوله تعالى : ﴿ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ ﴾ (الممتحنة :10) . (3) نسخ السنة بالسنة : مثل نسخ إباحة التمتع بالنساء إلى التحريم الدائم إلى يوم القيامة . (4) ومثل تحريم زيارة القبور إلى الإباحة ، كما في حديث : « نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا » . (5) نسخ القرآن بالسنة : لا يجوز ولا يوجد مثال صحيح على ذلك ، والله تعالى أعلم . أنواع النسخ في القرآن : (1) نسخ حكم وتلاوة : ويدل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها : « كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنْ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ »أخرجه مسلم (1452)والنسائي في الكبرى(5448). (2) نسخ تلاوة ويبقى الحكم :ومثاله آية الرجم ، فإنها كانت في القرآن ، ثم نسخت تلاوة ، وبقى حكمها إلى يوم القيامة ، وقد رَجَمَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزاني المحصن ، ورجم الصحابة من بعده . روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس قال : قال عمر بن الخطاب وهو جالس على منبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَكَانَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ قَرَأْنَاهَا وَوَعَيْنَاهَا وَعَقَلْنَاهَا فَرَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ مَا نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ » . أخرجه البخاري (6830) ، ومسلم (1691) . (3) نسخ حكم ، ويبقى التلاوة : مثل قوله تعالى :﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ (الأنفال:65) .وغيرها من الآيات نسخت ، ولكنها باقية في المصحف لم ترفع تلاوتها . حالات النسخ : (1) نسخ بالأخف : كنسخ وجوب ثبات ومصابرة الواحد للعشرة ، إلى وجوب ثبات الواحد للاثنين ، ونسخ الوضوء ما مست النار (2) نسخ بالمماثل : كنسخ القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام .(3) نسخ بالأشد : كنسخ حديث : « إنَّ الْمَاءَ مِنْ الْمَاءِ » بحديث : « إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ » .ملاحظة:فإن تعذر معرفة المتقدم والمتأخر : رجعنا إلى الترجيحات الأخر . أى : إذا لم نستطع أن نقول بالنسخ ، فيرجع إلى الترجيح بين الأدلة ، فيقدم المنطوق على المفهوم ، والظاهر على المؤول ، ويحمل العام على الخاص ، ويحمل المطلق على المقيد ، ويقدم قول صاحب القصة على غيره ، ويقدم المثبت على النافى ، ويقدم الناقل عن الأصل على المبقى على الأصل . ومثال تقديم قول صاحب القصة على قول غيره ما يلي : حديث ميمونة رضي الله عنها «أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوجها وهو حلال » أخرجه مسلم (1411) . وحديث ابن عباس رضي الله عنهما : « أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوجها وهو محرم »أخرجه البخاري (258)( 5114) ومسلم (1410) . والحديثان متعارضان ، فيقدم قول ميمونة لأنها صاحبة القصة . ومثال المثبت والمنفى : قول عائشة رضي الله عنها : « مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ »أخرجه النسائي في الكبرى(25) وابن ماجة (307) وأحمد (25045)( 25596)( 25787) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (201) . وحديث حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : « أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا »أخرجه البخاري (225)( 226)( 2471) ومسلم (273) والسباطة هي ملقى القمامة والتراب .فحديث حذيفة مثبت ، وحديث عائشة نافى ، فيقدم المثبت على النافي ، لأن فيه زيادة علم . ومثاله أيضاً : ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت : « مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ » أخرجه مسلم (1176) والترمذي(756) وأحمد(24147) .وحديث حفصة رضي الله عنها قالت : « أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِيَامَ عَاشُورَاءَ وَالْعَشْرَ » أخرجه أحمد(26459) النسائي في الكبرى (2724) . حديث حفصة مثبت لصيام العشر من ذي الحجة ، وحديث عائشة نافي ، فيقدم المثبت على النافي . ومثال تقديم الناقل عن الأصل على المبقى على الأصل ما يلي : حديث طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه لما سأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن الوضوء من مس الذكر فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « وَهَلْ هُوَ إِلَّا مُضْغَةٌ مِنْكَ أَوْ بَضْعَةٌ مِنْكَ »أخرجه النسائي في الكبرى (160) وأحمد (16286) وأبو داود (182) والترمذي (85)وابن ماجه(483) وصححه الألباني ..وحديث بُسْرَةَ وغيرها رضي الله عنهم ، وفيه : « من مَسَّ ذَكَرَهُ فَلَا يُصَلِّي حَتَّى يَتَوَضَّأَ »أخرجه النسائي في الكبرى (159) وأبو داود (181) والترمذي(82) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (6554) . حديث طلق مبقى على أصل الطهارة ، وحديث بسرة ناقل عن أصل ، فيقدم حديث بسرة لأنه ناقل عن الأصل .ويمثل على ذلك أيضاً بالتعارض بين الأحاديث التي تبيح كشف الوجه والأحاديث التي تمنع من كشف الوجه والكفين ، وتدعوا إلى النقاب وستر الوجه . يقدم الأحاديث التي تدعوا للنقاب لأنها ناقلة عن الأصل والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل . وَإِذَا تَعَارَضَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلُهُ: قُدِّمَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ لِلْأُمَّةِ، وَحُمِلَ فِعْلُهُ عَلَى الْخُصُوصِيَّةِ لَهُ. فَخَصَائِصُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْأَصْلِ.