المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من تراث فضيلة الشيخ الدكتور جميل غازي - رحمه الله


ابو احمد وفاطمة
20 - 02 - 2010, 01:12 PM
فضيلة الشيخ الدكتور جميل غازي - رحمه الله -
نائب رئيس جماعة أنصار السنة المحمدية - سابقاً -
ومؤسس جمعية ومسجد العزيز بالله بالزيتون



علامات ضوئية على طريق الدعاة
- 1-
بقلم الدكتور: محمد جميل غازي
*****************

المعروف والمنكر:
ورد لفظ (المعروف) في القرآن الكريم ثمانية وثلاثين مرة.
وورد لفظ (المنكر) فيه ست عشرة مرة.
والمعروف- كما جاء في مفردات الراغب وغيرها-: اسم لكل فعل يعرف بالعقل أو الشرع حسنه.
والمنكر: كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه، أو تتوقف في استقباحه واستحسانه العقول، فتحكم بقبحه الشريعة.
وقيل: المعروف: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس.
والمنكر ضده.
وقيل: المعروف: اسم جامع لكل ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح.
حُكمه:
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر: فرضان من فروض الكفاية. يقول ابن تيمية رحمه الله: وهذا الواجب واجب على مجموع الأمة، وهو الذي يسميه العلماء فرض الكفاية- إذا قام به طائفة منهم سقط عن الباقين- فالأمة كلها مخاطبة بفعل ذلك، ولكن إذا قامت به طائفة سقط عن الباقين).
وقد يتوهم البعض أنهم قد أذن لهم في القعود عن الدعوة حينما قرر الفقهاء أن الدعوة فرض على الكفاية، وليس الأمر كما توهموا.
فإن تحقق فرض الكفاية، وتحقق القيام به، يعني ضرورة حصول الشيء المأمور به في عالم الواقع، وتطبيقه، واتعاظ الطائفة المأمورة فعلاً.
فإذا بقيت الطائفة المأمورة سادرة في غفلتها، متبعة لشهوتها، والغة في عصيانها، واقعة في أخطائها، بقي جميع المسلمين ملزمين بهذا التكليف.
وعلى كل مسلم أن يأمر بالمعروف، وأن ينهى عن المنكر في الأشياء التي يستوي فيها العالم والجاهل، كزنى، وشرب الخمر، والربا، والغيبة، والنميمة والكذب، والحلف بغير الله وصفاته، والاعتماد على غير الرازق سبحانه وتعالى، وأذى الناس، وإعانة الظالم، وترك الصلاة والزكاة والصيام والحج، إلى غير ذلك مما عم العلم به وشاع بين أفراد الأمة، سواء أنفعت الذكرى أم لم تنفع، وعليه حملت "أن" في قوله تعالى: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى} على معنى "قد".
وقد أجاب سفيان الثوري- رحمه الله تعالى- حينما سئل أيأمر الرجل من يعلم أنه لا يقبل منه؟ فقال: نعم، ليكون ذلك معذرة له عند الله تعالى.
تحقيق وتعليق على حديث " تغيير المنكر "
عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذاك أضعف الإيمان". رواه مسلم.
وقد روى معناه من وجه آخر، فخرجه مسلم من حديث ابن مسعود رضي اللَّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل).
وخرج الإسماعيلي من رواية الأوزاعي عن عمير بن هانئ عن علي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ستكون بعدي فتن، لا يستطيع المؤمن فيها أن يغير بيده، ولا بلسانه. قلت: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: ينكرونه بقلوبهم. قلت: يا رسول الله، وهل ينقص ذلك إيمانهم شيئًا؟ قال: لا، إلا كما ينقص القطر من الصفا).
وهذه الأحاديث- وغيرها في معناها كثير- تدل على أن "وجوب إنكار المنكر" إنما يكون بحسب القدرة عليه، وأما إنكاره بالقلب فلا بد منه، فإن لم ينكر القلب كان ذلك دليلاً على ذهاب الإيمان منه.
فقد روى عن أبي جحيفة قال: قال علي رضي الله عنه: (إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد، جهاد بأيديكم، ثم الجهاد بألسنتكم، ثم الجهاد بقلوبكم، فمن لم يعرف قلبه المعروف، وينكر قلبه المنكر، نكس فجعل أعلاه أسفله).
وسمع ابن مسعود رضي الله عنه رجلاً يقول: (هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر). فقال ابن مسعود: (هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر. إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك. وأما الإنكار باليد واللسان فإنما يجب بحسب الطاقة.
وابن مسعود رضي الله عنه هو الذي قال: (يوشك من عاش منكم أن يرى منكرًا لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه، أنه له كاره).
وفي سنن أبي داود عن العرس بن عميرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا عملت الخطيئة في الأرض، كان من شهدها فكرهها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها).
فمن شهد الخطيئة فكرهها بقلبه كان كمن لم يشهدها إذا عجز عن إنكارها بيده ولسانه. ومن غاب عنها فرضيها، كان كمن شهدها وقدر على إنكارها ولم ينكرها.
لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، وهو مناقض للإنكار بالقلب.
وأما الإنكار باليد واللسان فيكون بحسب القدرة- كما أسلفنا- لما أخرجه أبو داود من حديث أبي بكر رضي اللَّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيروا إلا يوشك الله أن يعمهم بعقابه).
ولما خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في خطبة: (ألا لا يمنعهن رجلاً هيبة الناس أن يقول بحق إذا علمه). وبكى أبو سعيد، وقال: قد- والله- رأينا أشياء فهبنا.
وخرجه الإمام أحمد- وزاد فيه-: (فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق، أن يقال بحق، أو يذكر بعظيم).
وقوله صلى الله عليه وسلم- في الذي ينكر بقلبه-: (وذلك أضعف الإيمان). يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكرًا). يدل على أن الإنكار متعلق بالرؤية، فإن كان مستورًا فلم يره، ولكن علم به، فالتحقيق أنه لا يتعرض له، وأنه لا يفتش عما استراب فيه.
دوافع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
والدافع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
- رجاء ثواب الله.
- الخوف من العقوبة على تركه.
- الغضب لله أن تنتهك محارمه.
- النصيحة للمؤمنين، والرحمة بهم، ورجاء انقاذهم مما أوقعوا أنفسهم فيه من التعرض لعقوبة الله وغضبه في الدنيا والآخرة.
- إجلال الله وتعظيمه ومحبته، وأنه أهل لأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وأنه يفتدى من انتهاك محارمه بالنفوس والأموال، كما قال بعض السلف، وددت أن الخلق كلهم أطاعوا الله، وأن لحمى قرض بالمقاريض.
وكان عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز يقول لأبيه: وددت أني غلت بي وبك القدور في الله تعالى.
الرفق في الإنكار:
وينبغي للداعية إلى الله أن يكون قوله لينًا، وأسلوبه هينًا، حتى يكون أكثر تأثيرًا في الناس.
قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى، عدل بما يأمر، عدل بما ينهى، عالم بما يأمر، عالم بما ينهى.




يتبع